عفيف الدين التلمساني
139
شرح مواقف النفري
ثم إنه أمر بوزن العمل بميزان الإخلاص هو أن يخلص النية فيه من شائبة ملاحظة السوى فالنية إذن معتبرة في العلم والعمل على قاعدة واحدة وهي تجنب رؤية السوى . 13 - موقف التذكّر قوله : ( أوقفني في التذكرة وقال لي : لا تثبت إلا بطاعة الأمر ، ولا تستقيم إلا بطاعة النهي ) . قلت : التذكرة هي كما علمت أن تذكر ناسيا أو غافلا ، ولا يستقيم هنا أن يراد بالناس هو الذي نسي اللّه فنسيه أو غفل عن الأعمال بالأصالة ، فترك العمل وأهمله ، فإن القوم لا يذكرون من هذه حاله ، بل يستبعدون أن يكون أحد بهذه المثابة حتى أن من كانت هذه حاله منهم قديما ثم صار من القوم فغلب عليه وصفهم حتى ينسى حاله الأول ومن كان معه عليها ، لأن الحق يذهب الباطل ويدمغه ، فإذا هو زاهق . وإذا لم يكن المراد بأهل النسيان والغفلة هذه الطائفة الرذلة ، فالمراد من فوقهم وهم القوم الذين إن نسوا مرة فإنما ينسون الأولى ، وإن غفلوا غفلة فلعلها ليست فعلة بل قولا ، فالتذكرة إذن إنما هي لهؤلاء ، فإذن التذكرة لا تثبت إلا بطاعة الأمر الذي هو نصيب هؤلاء ولا تستقيم تماما إلا بطاعة النهي ، ويجوز في معناه شرح آخر وهو أن من لا يأتمر في نفسه بأوامر الطاعة ، ولا ينتهي في نفسه بزواجر النهي عن المعصية لم يثبت له أن يذكر غيره ، ولا يستقيم أن ينهي عن المنكر سواه . وهذا الشرح الثاني هو في مضمون قول الشاعر : لا تنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها * فإذا انتهت عنه فأنت حكيم « 1 »
--> ( 1 ) هذان هما لأبي الأسود الدؤلي ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل الدؤلي الكناني ، المتوفّى سنة 69 ه ، والبيتان من البحر الكامل وتفعيلته : متفاعلن متفاعلن متفاعلن ( الموسوعة الشعرية ، المجمع الثقافي ، أبو ظبي ) .